الضروري أم المنقذ؟
إذا كانت الديمقراطية تقوم، في جوهرها، على قوة المؤسسات لا على مركزية الأفراد، فلماذا تبدو بعض الاستحقاقات الانتخابية وكأنها تُختزل في شخص واحد؟
يقول نيكولو ميكيافيلي في كتابه "الأمير": «يحكم الناس بأعينهم أكثر مما يحكمون بأيديهم، فالجميع يستطيع أن يرى، لكن القليل فقط يستطيع أن يدرك». ولعل هذه الفكرة لا تزال صالحة إلى اليوم. فالناخبون لا يصوتون للبرامج وحدها، ولا للأرقام أو الشعارات المجردة، بل يصوتون أيضاً للرموز، وللشخصيات التي تمنح المشروع السياسي وجهاً إنسانياً وتجسيداً ملموساً. وفي هذه المساحة الفاصلة بين المؤسسة والشخص، تتشكل فكرة "القائد المنقذ"، ذلك الشخص الذي يُنظر إليه باعتباره القادر على اختزال مرحلة بأكملها في شخصه.
لقد كرر الفكر السياسي الحديث، لعقود طويلة، أن المؤسسات أهم من الرجال، وأنه لا أحد فوق الدولة أو خارج منطق التداول. وتحولت عبارة "لا أحد لا غنى عنه" إلى ما يشبه المسلمة في السياسة والإدارة والاقتصاد. وهي مقولة مطمئنة، لأنها تؤكد حقيقة أساسية: الأفراد يرحلون، بينما تستمر المؤسسات؛ تتعاقب الولايات، وتستمر الدول، وتبقى المؤسسات.
لكن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.
قوة المؤسسات... وثقل الشخصيات
في لحظات معينة من التاريخ، تتجاوز بعض الشخصيات حدود مناصبها الرسمية، لتصبح عنواناً لمرحلة كاملة، أو تجسيداً لمشروع سياسي، أو نقطة التقاء لتطلعات جماعية واسعة. ليس لأنها غير قابلة للتعويض، بل لأنها تتحول إلى مرجع سياسي ورمزي تتحدد على أساسه مواقف الآخرين.
فالشخص "الضروري" ليس دائماً ذلك الذي يستحيل تعويضه، بل قد يكون ببساطة ذلك الذي يفرض غيابه على الجميع إعادة ترتيب حساباتهم وإعادة تعريف مواقعهم.
وهنا يكمن أحد أكبر مفارقات العمل السياسي: فالديمقراطيات تُبنى على متانة المؤسسات، لكن المنافسة الانتخابية تظل، في كثير من الأحيان، رهينة لقوة الشخصيات وقدرتها على التعبئة والإقناع.
العودة المتكررة للشخصيات المركزية
التاريخ السياسي العالمي حافل بهذه النماذج. ونستون تشرشل في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وشارل ديغول في فرنسا سنة 1958، ولي كوان يو في سنغافورة بعد الاستقلال. في جميع هذه الحالات، كانت المؤسسات قائمة قبل هؤلاء القادة، واستمرت بعدهم، لكن أحداً لا يجادل اليوم في أن تلك المراحل ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأسمائهم. ليس لأنهم كانوا أكبر من المؤسسات، بل لأنهم أصبحوا، في لحظة معينة، التعبير الأكثر وضوحاً عنها.
المجتمعات الحديثة تعلن إيمانها بالمؤسسات، لكنها في فترات التحول وعدم اليقين تعود، في كثير من الأحيان، إلى البحث عن الشخصيات القادرة على الطمأنة والقيادة. وقبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن المغرب يعيش بدوره هذا التساؤل.
مركزية المرجع
خلال الأشهر الأخيرة، برز معطى يستحق التأمل. فهناك مؤشر نادراً ما تتم الإشارة إليه في التحليل السياسي: مقدار الوقت الذي يخصصه الخصوم للحديث عن شخص بعينه. فعزيز أخنوش يحتل موقعاً مركزياً في خطاب أنصاره، وهو أمر طبيعي. لكنه حاضر أيضاً في خطاب خصومه، وفي تحليلات المراقبين، وحتى في معظم سيناريوهات التناوب السياسي.
فهل يمكن الاستمرار في التعامل معه باعتباره مجرد رئيس حزب سابق أو رئيس حكومة يقترب من نهاية ولايته، بينما أصبح، بالنسبة إلى كثيرين، المرجع الذي تُبنى انطلاقاً منه مختلف التقديرات والرهانات السياسية؟
إن تأثير الزعماء لا يقاس دائماً بحجم التأييد الذي يحظون به، بل أحياناً بحجم الحضور الذي يحتلونه في خطاب خصومهم.
وفي السياسة، قد تتحول المعارضة نفسها إلى أقوى مؤشر على النفوذ.
السؤال هنا ليس ما إذا كانت الحصيلة الحكومية مثالية؛ فلا توجد حكومة تدعي الكمال. السؤال الأعمق هو: لماذا تستمر أغلب السيناريوهات السياسية، مع اقتراب موعد الانتخابات، في التشكل انطلاقاً من الشخص نفسه؟
ربما لأن عزيز أخنوش تجاوز، بالنسبة إلى جزء مهم من الفاعلين والمتابعين، حدود موقعه المؤسساتي، ليصبح أحد أهم المراجع السياسية لهذه المرحلة. فالداعمون له والمعارضون لسياساته على حد سواء ما زالوا يحددون مواقفهم انطلاقاً من موقعهم منه. وفي الحالتين، يبقى مركز الثقل واحداً.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً كثرة التكهنات التي تحيط بشخصيات أخرى، وفي مقدمتها فوزي لقجع، الذي يتردد اسمه باستمرار في التحليلات والتقديرات السياسية. وسواء تحققت هذه الفرضيات أم لا، فإن أهميتها لا تكمن في احتمال تحققها، بقدر ما تكمن في الدلالات التي تعكسها.
إغراء المنقذ المضاد
لماذا يتكرر اسم لقجع تحديداً؟ لأنه تجتمع دائما خصائص في شخصية واحدة: حضور وطني واسع، وصورة مرتبطة بالنجاعة والإنجاز، وقدرة على التعبئة تتجاوز المجال الذي اشتغل فيه أساساً. غير أن أهمية الظاهرة تتجاوز شخص فوزي لقجع نفسه. فهي تكشف قاعدة تكاد تكون ثابتة في الحياة السياسية: عندما يصبح شخص ما المرجع الأساسي في الفضاء العام، يبدأ منافسوه في البحث، ليس فقط عن مشروع بديل، بل عن شخصية قادرة على تجسيد ذلك البديل.
لكن خلف هذه الظاهرة يبرز سؤال أكثر عمقاً: عندما يبحث حزب ما عن شخصية قادرة على تغيير موازين القوى، هل يبحث عن برنامج سياسي جديد، أم يبحث عن "قائده المنقذ" الخاص؟
التاريخ السياسي مليء بأحزاب راهنت على قوة الشخصيات للخروج من أزماتها. بعضها نجح، لكن كثيراً منها أخفق. لأن الشخص، مهما بلغت قدرته على تعبئة الفاعلين وإطلاق ديناميات جديدة، لا يستطيع أن يحل محل الرؤية أو التنظيم أو المشروع الجماعي. وربما هنا يكمن السؤال الحقيقي الذي ستطرحه انتخابات 2026.
فالرهان ليس معرفة من هو "الضروري"، لأن الديمقراطية الناضجة لا ينبغي أن تقوم على أفراد لا يمكن الاستغناء عنهم. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بمن هو "الضروري"، بل بمن يمتلك اليوم القدرة على تجسيد رؤية، وطمأنة الرأي العام، وتعبئة الطاقات حول مشروع سياسي واضح المعالم. فالسياسة ليست مجرد تنافس بين البرامج، بل هي أيضاً تنافس بين من يجسدون تلك البرامج.
فالناخبون لا يختارون المقترحات وحدها، بل يختارون أيضاً الأشخاص الذين يمنحونهم ثقتهم.
المفارقة الكبرى
في نهاية المطاف، لا تكشف فكرة "القائد المنقذ" عن شخص بعينه بقدر ما تكشف عن مرحلة تاريخية، وعن توازنات سياسية، وعن صعوبة جماعية في إنتاج بدائل مقنعة.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: من هو الشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه؟
بل: هل أصبحت الأحزاب والمؤسسات والمشاريع الجماعية قوية بما يكفي لتستمر وتؤثر حتى في غياب الأشخاص الذين يجسدونها؟
فحين تواصل منظومة سياسية البحث بإلحاح عن "منقذها"، فإنها لا تكشف فقط عن قوة ذلك الشخص، بل تكشف أيضاً عن صعوبة المنظومة نفسها في إنتاج بدائل تحظى بالمصداقية والثقة. وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: فالديمقراطيات تبنى على المؤسسات، لكنها لا تكف عن البحث، في كل منعطف تاريخي، عن الأشخاص الذين يجسدونها.
-
15:47
-
15:33
-
15:27
-
15:11
-
15:00
-
14:33
-
14:32
-
13:46
-
13:26
-
13:02
-
12:33
-
12:12
-
12:05
-
11:58
-
11:33
-
11:12
-
10:55
-
10:33
-
10:12
-
09:55
-
09:41
-
09:33
-
09:22
-
09:11
-
08:47
-
08:27
-
08:00
-
07:05
-
07:00
-
06:00
-
05:00
-
04:00
-
02:00
-
01:00
-
00:00
-
23:50
-
23:33
-
23:20
-
23:11
-
23:00
-
22:47
-
22:35
-
22:22
-
22:01
-
21:55
-
21:33
-
21:20
-
21:00
-
20:45
-
20:20
-
20:01
-
19:34
-
19:22
-
19:12
-
19:06
-
18:55
-
18:33
-
18:12
-
18:00
-
17:45
-
17:20
-
17:00
-
16:50
-
16:27
-
16:02
-
15:58
-
15:50