حين يتحول الخطاب السياسي إلى تنصل من المسؤولية
الدكتور حفيظ وشاك
في الممارسة السياسية، يحق للفاعل الحزبي أن ينتقد، وأن يعبر عن مواقفه، وأن يدافع عن اختياراته أمام الرأي العام، لكن ما يثير الاستغراب حقا هو أن يتحول بعض المسؤولين الحكوميين إلى معارضين من داخل الحكومة نفسها، وكأنهم خارج دائرة القرار أو غير معنيين بما يجري داخل المؤسسات التي يدبرون شؤونها يوميا.
ففي الآونة الأخيرة، بعض أحد أعضاء الحكومة، وأمناء عامون لأحزاب سياسية مكون للأغلبية الحكومية، بتصريحات لا يمكن وصفها إلا بالمستفزة للرأي العام حين بدؤوا يتحدثون بلغة شعبوية عن ضرورة محاربة "الفراقشية" و"الجشع "و "التقصي" في خطاب فهمه كثيرون على أنه موجه بشكل مبطن العزيز أخنوش رئيس الحكومة وللسياسات الحكومية نفسها، رغم أنهم من أبرز الوجوه المشاركة في اتخاذ تلك القرارات.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين كانت هذه الجرأة السياسية حين كانت القرارات ثناقش داخل الأغلبية الحكومية؟ وأين هو منطق التضامن الحكومي الذي يُفترض أن يتحلى به كل مسؤول يتحمل جزءاً من السلطة التنفيذية؟
إن أخطر ما يمكن أن يهدد ثقة المواطنين في العمل السياسي هو هذا النوع من الخطابات المزدوجة؛ خطاب داخل المؤسسات يقوم على المشاركة في القرار، وخطاب خارجي يقوم على التنصل من المسؤولية وتقديم النفس في صورة المدافع عن الشعب ضد الحكومة، بينما المتحدث نفسه جزء أساسي منها.
فإذا كانت هناك فعلاً اختلالات أو ممارسات مرتبطة بالمضاربة أو الجشع أو ارتفاع الأسعار، فإن المسؤولية سياسية وجماعية، ولا يمكن لأي طرف داخل الأغلبية أن يتصرف وكأنه معارض بريء لا علاقة له بما يجري. لأن المواطن اليوم أصبح أكثر وعياً، ويدرك جيداً أن من يجلس على طاولة القرار لا يمكنه في المساء أن يتحول إلى خطيب شعبوي يهاجم نفس السياسات التي شارك في صياغتها أو المصادقة عليها.
إن المصداقية السياسية لا تقاس بعلو الصوت في المهرجانات والخطابات، بل تقاس بالوضوح وتحمل المسؤولية والجرأة في قول الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة فقط. أما اللعب على التناقضات ومحاولة كسب التعاطف الشعبي عبر مهاجمة الحكومة من داخلها، فهو سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق الانسجام السياسي والأخلاقي.
السياسة ليست مسرحية لتبادل الأدوار بين "حاكم" نهاراً و "معارض "ليلا، بل هي التزام ومسؤولية وموقف واضح أمام المواطنين. ومن غير المقبول أن يتم تسويق خطاب يوحي بأن هناك من يحارب الفساد أو الجشع من خارج السلطة، بينما هو في قلبها ويتمتع بكل امتيازاتها ومواقعها.
إن المواطن المغربي اليوم لا يحتاج إلى خطابات شعبوية موسمية، بل يحتاج إلى مسؤولين يتحلون بالشجاعة السياسية الكاملة: إما الدفاع عن العمل الحكومي وتحمل نتائجه، أو الانسحاب منه إذا كانت هناك قناعة حقيقية بوجود اختلالات لا يمكن تحمل مسؤوليتها.
أما الاستمرار في الحكومة، والاستفادة من مواقعها، ثم مهاجمتها بشكل مبطن في التجمعات والخطب، فذلك لا يعكس سوى أزمة في المصداقية السياسية، ومحاولة مكشوفة للبحث عن التموقع الانتخابي المبكر على حساب الانسجام الحكومي وثقة المواطنين.
-
20:33
-
20:11
-
19:47
-
19:00
-
18:37
-
18:06
-
18:03
-
17:50
-
17:39
-
17:23
-
17:11
-
17:00
-
16:43
-
16:23
-
15:50
-
15:40
-
15:27
-
15:00
-
14:55
-
14:47
-
14:33
-
14:26
-
14:11
-
14:00
-
13:34
-
13:02
-
12:49
-
12:33
-
12:31
-
12:11
-
12:00
-
11:40
-
11:20
-
11:00
-
10:59
-
10:26
-
10:10
-
10:09
-
09:33
-
09:11
-
08:39
-
08:07
-
07:00
-
06:30
-
23:34