المؤسسة الملكية فوق المزايدات الحزبية: في تفنيد مزاعم بنكيران حول السلطة والمسؤولية
الدكتور حفيظ وشاك
أثارت التصريحات التي أدلى بها عبد الإله بنكيران خلال اللقاء الحزبي بمدينة طانطان نقاشاً سياسياً و دستورياً مشروعاً، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أيضاً بالنظر إلى السياق والتوقيت اللذين وردت فيهما. فقد بدا الخطاب أقرب إلى انطلاقة مبكرة لحملة انتخابية تستهدف إعادة تعبئة القواعد الحزبية عبر توظيف خطاب عاطفي ودعوي يتجاوز في بعض جوانبه منطق التنافس السياسي القائم على البرامج والحصيلة والبدائل.
وإذا كان من حق أي حزب سياسي الدفاع عن اختياراته واستحضار مرجعتيه الفكرية، فإن ربط التنظيم الحزبي، حسب عبد الإله بنكيران الأمين العام للعدالة والتنمية، بإيحاءات تمنحه مشروعية استثنائية "كأنتم عطاء الله " أو مكانة تتجاوز دائرة التقييم والمحاسبة السياسية يظل أمراً يثير التحفظ، لأن الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية تبقى مؤسسات مدنية بشرية تخضع للنقد والمساءلة، ولا يمكن أن تحاط بهالة من القداسة أو الحصانة الرمزية التى تعفيها من تحمل مسؤولية قراراتها واختياراتها وتدبيرها للشأن العام.
كما أن توقيت هذا الخطاب لم يكن معزولاً عن السياق الإنساني الذي كانت تعيشه المنطقة، إثر الفاجعة الأليمة المتمثلة في غرق مركب للهجرة غير النظامية قبالة شاطئ الشبيكة. وكان المنتظر أن يطغى خطاب التضامن والمواساة واستحضار المسؤولية الجماعية تجاه المآسي الاجتماعية التي تدفع الشباب إلى ركوب مخاطر الهجرة، بدل الانخراط في سجالات سياسية حادة وتصفية حسابات مع الخصوم السياسيين.
ومن الجوانب الأكثر إثارة للنقاش في هذا الخطاب، محاولة اختزال موقع رئيس الحكومة في دور هامشي مقابل تصوير المؤسسة الملكية باعتبارها الفاعل الوحيد أو الشبه الوحيد في تدبير الشأن العام، وهي قراءة لا تنسجم مع الفلسفة العامة التي جاء بها دستور ،2011 والذي كرّس تطوراً نوعياً في البناء المؤسساتي المغربي، ومنح رئيس الحكومة اختصاصات تنفيذية وتنظيمية وسياسية واسعة، وجعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان والرأي العام عن تنفيذ السياسات العمومية وتدبير الشأن العام.
إن الإقرار بالمكانة المحورية للمؤسسة الملكية في النظام الدستوري المغربي لا يعني القفز على مبدأ توزيع الاختصاصات أو التنصل من المسؤوليات السياسية.
فالدستور واضح في تحديد أدوار المؤسسات، كما أن منطق الدولة الحديثة يقوم على ربط السلطة بالمسؤولية وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك فإن تقديم رئيس الحكومة باعتباره مجرد منفذ محدود للصلاحيات يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويحول دون إجراء تقييم موضوعي وعادل للحصيلة الحكومية، سواء تعلق الأمر بحكومة يقودها حزب العدالة والتنمية أو أي حزب آخر.
إن قوة التجربة المغربية تكمن في وضوح هندستها الدستورية وتوازن مؤسساتها، حيث تمارس المؤسسة الملكية وظائفها الاستراتيجية والسيادية والتحكيمية بما يضمن استمرارية الدولة واستقرارها، بينما يتحمل الفاعلون السياسيون والمنتخبون مسؤولية صياغة وتنفيذ السياسات العمومية وتدبير الشأن العام، ويخضعون تبعاً لذلك لرقابة المواطنين ومقتضيات المحاسبة الديمقراطية.
ومن ثم فإن أي خطاب سياسي يسعى إلى إعادة توزيع المسؤوليات خارج منطق الدستور، أو إلى تحميل مؤسسة ما نتائج تدبير لا يدخل ضمن اختصاصاتها المباشرة، لا يخدم النقاش العمومي الرصين. بل يساهم في إرباك الوعي السياسي للمواطن، واضعاف أحد أهم مكتسبات الإصلاح الدستوري والمتمثل في ترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة وتوضيح حدود الأدوار بين مختلف المؤسسات الدستورية.
-
22:47
-
22:27
-
22:02
-
21:41
-
21:01
-
20:33
-
19:40
-
18:27
-
18:00
-
17:33
-
17:25
-
17:12
-
16:47
-
16:27
-
16:15
-
15:42
-
15:30
-
15:27
-
15:15
-
15:03
-
14:58
-
14:50
-
14:47
-
14:40
-
14:30
-
14:13
-
13:50
-
13:47
-
13:27
-
13:00
-
12:27
-
12:03
-
11:50
-
11:40
-
11:27
-
11:26
-
11:01
-
10:42
-
10:33
-
10:25
-
09:44
-
09:31
-
09:27
-
08:36
-
08:33
-
08:11
-
07:40
-
07:18
-
05:00
-
04:00
-
03:00
-
02:00
-
01:34
-
01:00