"البربرية".. ذلك الحقُّ الذي يُراد به باطل!
بقلم: عبد المجيد النحكامي
عندما تتحدث المصادر التاريخية الوسيطية على مدى 1400 سنة من تاريخ بلاد المغرب عن سكان المنطقة، فإنها تُجمع على اسم "البربر". وعندما تتحدث عن لغتهم فإنها تنسبها إليهم، فتقول "لسان البربر". لهذا فإننا لا نرى أنفسنا ملزمين بغير هذه الكلمة التاريخية المتجذرة في كتب تاريخ بلاد المغرب. نقصد بذلك كلمات أخرى من قبيل "أمازيغ" و"الأمازيغية" و"تمازغا"، التي اُستحدث تداولها للإشارة إلى سكان المنطقة في القرن العشرين من قبل ثلة من الباحثين القبائليين في إطار سعيهم لتشكيل قومية جديدة، بتأثير من أدبيات فرنسا الاستعمارية.
القبائليون يجهلون أصلا كلمة "إيمازيغن" إلى أن اكتشفها باحثون منهم في جبال الأطلس المتوسط بالمغرب، في إطار خدمتهم ضمن صفوف الجيش الاستعماري الفرنسي لإخضاع سكان الجبال المغربية.
هؤلاء القبائليون لهم العُذر في الأخذ بهذه الكلمة التي يجهلونها. وكذلك ناشطو الحركة الأمازيغية ممن ينحدرون من المدن المغربية الكبرى، هم أيضا يجهلون المفاعيل الاجتماعية لكلمة "إيمازيغن" في البادية المغربية.
كلمة "إيمازيغن" هي في واقع الحال المعيش (كما يتجلى ذلك شديدا في جنوب شرق المغرب) مجرد تصنيف عرقي تقابله كلمة "إحرضانن" (الحراطين) وما في معناها؛ وقد أشرنا إلى هذا الموضوع في ورقة بحثية بعنوان "هل المغاربة جميعا أمازيغ؟" ومقالة مختصرة عنها بعنوان "كلمة 'أمازيغ' مجرد تصنيف عرقي!..".
هذا للتوضيح بخصوص العنوان الذي بدأ بكلمة "البربرية".
أما بخصوص "الحق الذي يُراد به باطل"، فهذه هي المسألة التي تجعلنا في موقف المتحفظ المتوجس عندما يَرفع البعضُ شعار "إنصاف الأمازيغية" للتعمية عن غايتهم الحقيقية.
(1) ـ "كلمة حق يراد به باطل":
هذا المَثل الذي يعود إلى الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكره في حق الخوارج الذين رفعوا شعار "لا حُكم إلا لله"، وقد خصّ الخليفةُ الخوارجَ ومن على شاكلتهم بوصف "الغوغاء". "إذا اجتمعوا ضرُّوا، وإذا تفرقوا نفعوا". ويعود أصل كلمة "الغوغاء" إلى وصف الجراد عندما يخِفُّ للطيران، واستعيرت لحشود الناس المتسرعة إلى الشر. ويقترن ذكر الكلمة بمعانٍ سلبية، من قبيل: الصياح، والجلبة، والجهل، والفوضى، ونشر الفتن.
و يشهد تاريخ بلاد المغرب على حجم الضرر الذي تسبب فيه خوارجه، حيث إن المراحل التي استأثروا فيها بحكم بعض المناطق كانت الأكثر فتنا من غيرها، وذلك نتيجة نهجهم الذي يفتح الباب على مصراعيه لـ"التمرد" و"الفوضى" بدعوى "طلب العدل". وغوغاء خوارج المغرب قد سبقهم غوغاء حركة "الدوارين" التي صاحبت الحركة "الدوناتية"، ويشهد التاريخ كذلك على حجم الخراب الذي تسببوا فيه باسم "الثورة" على الرومان...
و بالعودة إلى عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نجد صدى لمقولة "كلمةُ حقٍّ يُرادُ به باطل" في مسجد "الضرار". فهذا أبو عامر (من الخزرج) الذي تأبّى على دعوة الإسلام، أحزنه انتصار المسلمين في بدر، واستبشر بهزيمتهم في أُحُد. ثم لجأ إلى هرقل ملك الروم يستصرخه. فلما منّاه هذا الأخير بما يسُرُّه، دعا قومه من المنافقين في المدينة إلى إعداد "معقل" يجتمعون فيه ويكون لهم صلة وصل به. فتفتق مكرهم على بناء مسجد يكون هو المعقل المتفق عليه للانطلاق في نشر الفتنة بين المسلمين واستئصال دعوة الإسلام من منبتها. فلم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن جاءه الوحي يُعْلمه بحقيقة هذا "الحق الذي يُراد به باطل"، إلا أن أمر على الفور أصحابه بـ"هدمه وتحريقه" لإزالته من الوجود.
نعم، هذا ما فعله رسول الله بـ"مسجد" !!.. هدمه وحرّقه !!..
هذا لأنه لم يكن سوى "ذريعة لباطل".
و يتكرر صدى هذه المقولة البليغة في تاريخ بلاد المغرب. فالاحتلال الأوربي كان يحرص على أن يتوازى عمله العسكري مع عمل "إنساني" بدعوى التطبيب والتعليم مثلا، فكانت مكاسبه من هذين أوسع وأعمق من العمل العسكري الذي جرَّ عليه نقمة ومقاومة مسلحة كبدته من الخسائر ما لا يطيق.
(2) ـ "البربرية"، ذلك الحقٌّ الذي يراد به باطل!..
لم تبدأ القصة مع (Jacques Bénet) كما توحي بذلك حيثيات تأسيس "الأكاديمية البربرية" سنة 1966، بل بدأت قبله بعقود: أسس لها الاحتلال الفرنسي، ثم انبرى لها بعض من أبناء المنطقة.
صحيح أن شخصية (Jacques Bénet) ليست بالوضوح الكافي للحكم عليها، غير أن رصيده الاستخباراتي مؤكد لا شك فيه. ولعل حقيقةَ عمله في صفوف الاستخبارات الفرنسية هو ما يجعل صورته بهذا الغموض والتشويش. وإنه لمن السذاجة تعابير الامتنان الشديدة التي عبر عنها رجل كـ"محند أعراب بسعود"، مؤسس الأكاديمية البربرية، لذلك الشخص من قبيل وصفه بـ"الصديق الأكبر والأخلص للبربر على مدار تاريخهم". "محند أعراب بسعود"، ذلك البدوي القبائلي والمقاتل الشرس، الذي يحلو لأدبيات الاحتلال الفرنسي أن تنعت أمثاله بـ"الطيب"، سقط بسذاجته في شبكة الخيوط التي نسجها (Jacques Bénet)، ذلك السياسي والموظف السامي الفرنسي الذي تخرّج من مدرسة التوثيق، والذي كُلف من قِبل أجهزة الدولة بمتابعة ملفات أراضي فرنسا ما وراء البحار (قبل أن تستقل)، ثم إفريقيا الفرنكفونية (بعد أن استقلت)، وذو الحس المخابراتي من خلال تجربته السابقة في تأسيس مركز الاتصال والتوثيق (CLD)، وشبهة انتمائه للمخابرات الفرنسية (SDECE)، والخبير بالشأن الجزائري، والذي سبق له أن دَرَس البربرية على يد (André Basset). وبحسب ملف خاص انفردت به جريدة (Libération) الفرنسية في 08 يوليوز 1980، فإن «(Jacques Bénet)، رئيس بلدية نورماندية صغيرة، على مقربة من التقاعد، هو في الحقيقة عضو في "مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس" (SDECE)».
سبق لـ (Jacques Bénet) سنة 1957 أن رفع مذكرة لسلطات الاحتلال الفرنسي بالجزائر يدعوها إلى إلغاء خطتها الرامية إلى إلزامية تعليم اللغة العربية بالمناطق التي تصنف بربريةً، وذلك استجابة لمقالةٍ للقبائلية المُتَنَصِّرة"طاووس عمروش" نشرتها سنة 1956 تحتج فيها على الخطة.
لقد نجحت فرنسا من خلال معلمي القبائل فيما فشلت فيه مع مقاوميهم. ففرنسا نفسها التي حاربها بشراسة أمثال "محند أعراب بسعود"، هي نفسها التي استسلموا لها من خلال "النزعة البربرية" التي بذرت بذورها في أنفسهم من خلال الدراسات الاستعمارية والتعليم الفرنسي الموجه للأهالي... إنها سياسة الاحتواء عندما تتفوق على سياسة الصدام.
ظهرت بوادر نجاح بذور الفُرقة بين أفراد الشعب الواحد التي نشرها الاحتلال الفرنسي منذ عقود قبل أن يحاول اقتطاف ثمارها وتوظيفها (Jacques Bénet) وأمثاله.
بحسب مذكرات مالك بن نبي، فإنه في ثلاثينيات القرن العشرين بعدما حط رِحاله بفرنسا للدراسة، اكتشف بأن الطلبة المنحدرين من بلاد المغرب كان يتنازعهم تياران متناقضان في موقفهما تجاه الاحتلال: فالطلبة التونسيون والمغاربة كانوا يسعون إلى «توحيد الصف بين طلبة الشمال الإفريقي المسلمين[...]. وبطبيعة الحال كانت الإدارة الاستعمارية بالمرصاد، تعمل على إخفاق المشروع، وتُسخر من أجل ذلك الانفصاليين من الطلبة الجزائريين المتمسكين بالبربرية، وبعضهم تمسكوا بمسيحية جوفاء انقادوا إليها بُغية الدنيا بدوافع انتهازية صرفة، فكانت على الصعيد الطلابي تدور المعركة بين "الوحدويين" و"المنشقين" الذين كانوا في أغلبهم من الجزائريين المنضمين لوَحَدة إقليمية جزائرية تضم أيضا أبناء مستعمري الجزائر[المعمرين]». هؤلاء الانفصاليون أو المنشقون كان على رأسهم «"عمار نارون" الذي يعمل بإيعاز من الإدارة تحت إشراف رئيس المجلس البلدي لمدينة باريس (المسيو كولين)، وكان على اتصال بالأوساط الاستعمارية العليا المستعدة لتحقيق رغبات أيّ مُنشق».
"عمار نارون" ذاك، هو نفسه الذي توَسّط لـ"مولود كعوان"للحصول على دعم مالي من "محند السعيد حنوز" (رئيس الأكاديمية البربرية)؛ كما توسط بينهما (إضافة إلى المغني القبائلي سليمان عازم) لتكوين ما سُمي بـ"الجبهة البربرية للتحرير" لقلب نظام الحكم القائم في الجزائر عقب الاستقلال، من خلال ادعاء وجود جيش يضم 30 ألف من عناصر "الحرْكة". ويبدو من خلال المعطيات التي أوردها "محند أعراب بسعود" في شهادته أن "مولود كعوان" وَعَد رئيس الأكاديمية البربرية بتولي منصب رئاسة "الدولة البربرية" المنشودة!!..
و في سنة 1948، عندما تَقدّم مصالي الحاج، زعيم حزب الشعب الجزائري، إلى هيئة الأمم المتحدة سنة 1948 بنداء يقول فيه أن «الجزائر عربية»، انتفض أعضاءٌ من حركته ممن ينتمون إلى منطقة القبائل (بزعامة رشيد علي يحيى) وردوا بأن «الجزائر جزائرية»، و«ليست لا عربية ولا إسلامية»، زد على ذلك أن هؤلاء المنتفضين رفضوا رغبة الحزب في الاكتتاب للتضامن مع قضية فلسطين في نفس السنة (تاريخ النكبة). فأحدث هذا الخلاف الطارئ حول هُوية الجزائر ما يعرف في تاريخ المقاومة الجزائرية بـ"الأزمة البربرية".
وبحسب المقاوم الجزائري حسين آيت أحمد في كتابه "روح الاستقلال، مذكرات مكافح"، فإن "رشيد يحيى"الذي تزعم ذلك التمرد التحق بحزب الشعب سنة 1946. غير أنه وجد نفسه نشازا بين الأعضاء، ومقصيا نسبيا عن أنشطته لصلته بأحد أعوان الاحتلال الفرنسي وخضوع أبيه للحالة المدنية الفرنسية..؛ إلى أن واتته الفرصة لإثبات وجوده سنة 1949 من خلال "إدانة أسطورة الجزائر العربية الإسلامية".
و إنه لمما يستحق التأمل بحسب باحثين، هو هذا الاقتران الزمني بين ما يجري في المشرق وما يجري في المغرب: فقد تفجرت أزمة حركة مصالي الحاج في سنة النكبة الفلسطينية (1948)؛.. وتأسست الأكاديمية البربرية سنة 1966، أي قبل نكسة يونيو 1967 بشهور قليلة؛.. ثم تأسست أول جمعية "أمازيغية" في المغرب في نونبر من نفس السنة، أي بعد أربعة أشهر من النكسة.
ثم بعد ذلك تأتي كارثة غزو العراق للكويت سنة 1990، وما تلاها من تداعيات خطيرة عصفت بالمنطقة منذ ذلك الحين وما تزال تعصف نحو المجهول. ففي بداية تسعينيات القرن العشرين، ومع تهاوي صرح المعسكر الشرقي، وتهاوي ما تبقى من شعار "القومية العربية" (عراق حزب البعث)، انطلق عدد ممن كانوا منخرطين في اليسار و"القومية العربية" إلى الانخراط بقوة في صفوف الحركة الأمازيغية، بل وتصدروا مشهدها، حاملين معهم إيمانهم الشديد باللائكية وعداءهم المستحكم للدين (الإسلامُ هنا)، ليضيفوا إليه العداء للغة العربية.
هذا الانقلاب المفاجئ من قبل هؤلاء على العربية كان نتيجة قناعة ترسخت لديهم طوال عملهم في إطار اليسار العربي، مفادها أن زحزحة الدين عن المكانة التي يتوسطها في قلوب شعوب المنطقة التي "يناضلون" عبثا منذ عقود من أجل "علمنتها"، لن يتأتى إلا بزحزحة اللغة العربية نفسها... ومن هنا تنديدهم الشديد بالتعريب، مقابل ترحيبهم بالفرنسة حتى ولو على حساب البربرية التي لم تتأهل بعد.
و لقد سبق لأحمد عصيد، في أحد تجليات ميلانه العظيم، أن عبّر للجالية المغربية بالخارج سنة 2010 عن "تخوفه من سحر بلاغة البيان العربي على نفوس من يتعلمون الإسلام بها"، لأن تعليم الإسلام لمغاربة المهجر بالعربية، بزعمه، هو المدخل الذي يلج به إليهم التطرف والإرهاب..؛ ثم يوصيهم بتعليم أولادهم الإسلام بالأمازيغية لقطع تأثير ذلك السِّحر وسد مداخل التطرف!!.. وإننا لنخشى أن يأتي يومٌ يقول فيه من رفاقه: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾!!..
ثم يؤكد أحمد عصيد في سنة 2019، في خضم النقاش الدائر بشأن العودة إلى فَرْنَسة التعليم بالمغرب، أن"الوظيفة الوحيدة التي يؤديها التعريب الآن وبشكل موفق هو نشر التشدّد الديني والنزعة السلفية وإشاعة التقليد"؛ وأن"العودة إلى تدريس العلوم باللغة الفرنسية أو الإنجليزية ينبغي أن يكون قرارا لا رجعة فيه، وكل اعتقاد بأن اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية يمكنهما القيام بذلك هو من قبيل الوهم والعناد الإيديولوجي المحض".
هؤلاء المُنْضَمُّون الجدد إلى "الحركة الأمازيغية"، بحسب تعبير إدريس آيتلحو، مجرد "مستنسخين للنضال العروبي": فهم في غالبيتهم من محامين وأساتذة وأطر كانوا مناضلين في صفوف اليسار المغربي بإيديولوجيته القومية العربية، وانتقالهم إلى القومية الأمازيغية لم يمنعهم من استنساخ الخطاب الذي تداولته القومية العربية اليسارية والثورية، وهم يدافعون عن قضية إقليمية لوطن "تمازغا" (أو العالم الأمازيغي الذي يمتد من غرب النيل إلى المحيط) مقابل "الوطن العربي" (أو العالم العربي الذي يمتد من الخليج إلى المحيط).
و بحسب محمد بودهان، فإنه «في الحقيقة، هذه المطالب المتصلة بالديموقراطية والعلمانية والحداثة والتنمية والحكم الذاتي، والتي أصبحت جزءا من الخطاب الأمازيغي، هي من بقايا الفكر اليساري الذي كان غالبية المؤسسين الأوائل للخطاب الأمازيغي يحملونه وينتمون إليه، والذي لازال حاضرا لدى الكثير من فصائل الحركة الأمازيغية، بما فيها تلك التي تعلن عداءها للنزعة اليسارية بسبب توجهاتها القومية العروبية. [...] هذا التوجه اليساري "المستتر" داخل الحركة الأمازيغية، يجعل خطابها ومطالبها تركز على اللغة والثقافة والهوية بمفهومها العرقي المرتبط بالأفراد والجماعات والتنمية والحكم الذاتي والعلمانية والديموقراطية..».
خطاب هذه الحركة يجعل كل مطالبها ذات مضمون عرقي صراعي (ضد العربي) يربط الهوية بالنسب والأصل والدم. وينبه محمد بودهان رفاقه بالقول: «و هذا التوجه "العرقي" للحركة الأمازيغية، في فهمها للهوية الأمازيغية والدفاع عنها، هو ما يريده خصوم الأمازيغية، لأن ذلك يوفر لهم "الدليل" للقول بأن الحركة حركة عنصرية تريد تقسيم المغرب إلى عرب وأمازيغ على أسس عرقية وإثنية».
من تجليات هذا الطابع العرقي للحركة "الأمازيغية" الذي يريد تقسيم المغرب إلى عرب وأمازيغ على أسس عرقية وإثنية، ما ورد في بيان "تموزغا" الصادر سنة 2011 بتوقيع زعامات من قبيل محمد شفيق وأحمد عصيد وغيرهما. فقد طالب هؤلاء بما يوحي بـ"المحاصصة" ما بين المكون العربي والمكون البربري بقولهم: «الحرص على تمثيلية الفاعلين الأمازيغيين في المجالس واللجان الوطنية التي يتم إنشاؤها من أجل وضع خطط أو برامج وطنية، أو صياغة مرجعيات سياسية وقانونية، وذلك بالتساوي في العدد مع مواطنيهم المنتسبين إلى العروبة...». هكذا كأننا في لبنان أو عراق المحاصصة بين الطوائف والأعراق. وهل كانوا يجهلون حجم الخراب الذي أصاب البلدين معا نتيجة فكرة "المحاصصة" بين الطوائف والأعراق؟!.. تلك المحاصصة التي يتم بها تقاسم السلطة والثروات بحسب الانتماء الطائفي و العرقي، لا الاستحقاق!!..
و نجد في بيانين للفيدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية بالمغرب التي ضمت أكثر من 100 جمعية ويرأسها أحمد أرحموش، دعوةً لمن سماهم "الأمازيغ" للانسحاب من حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح سنة 2016، والانسحاب من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2018!!..
هكذا، بهذا المنظور العرقي لهؤلاء، يتحول العمل السياسي من تناظر وتدافع للأفكار ومصالح الفئات الاجتماعية إلى تناظر وتناحر بين الأعراق!!.. وبتعبير إبراهيم أحنصال وخالد بوزهر، فإن هذا الانحراف في العمل السياسي يهدف إلى "طمر الوعي بالصراع الطبقي، وإلهاء الطبقات المتضررة في احتراب داخلي يبتعد بها عن القضايا الأساسية". فأية قبَلِيَّة هذه نرتكس إليها ونحن في عصر يريد أن يرتقي بنا إلى مستوى "المواطنة" التي يتساوى فيها الجميع في تعالٍ عن الانتماءات الأدنى!!..
(3) ـ الغوغاء يتصدرون المشهد:
بحسب الحسين وعزي، فإنه في سياق تطور خطاب "الحركة الأمازيغية"، ظهرت داخلها ثلاثة توجهات. الأول يعتمد على قوة الحجة والحوار، ويمثله رموز الحركة الرواد الذين خلّفوا التراكم الأساسي في المجالين العلمي والإبداعي. الثاني منشغل بخلق أدوات تنظيمية خاصة لتصريف مطالبها أكثر مما هو منشغل بالحوار والإنتاجين العلمي والإبداعي. أما الثالث، فيهمل إهمالا مطلقًا ضرورة إحداث التراكمات في المجالين العلمي والإبداعي، ويسعى لاستعمال الأمازيغية كأداة للصراع السياسي لاحتلال المواقع. ومعظم هؤلاء ممن التحقوا بركب الحركة الثقافية الأمازيغية سنة 1994. ما يفسر الزخم الذي شهدته شعارات الحركة في الشارع النقابي والسياسي منذ ذلك التاريخ.
هذا الصنف الثالث الذي يوظف "البربرية" أداة للصراع السياسي وهو جاهل بها، هو الذي يبدو لنا متصدرا لمشهد الحركة. وتنطبق عليه مواصفات الصنف الذي أشار إليه محمد شفيق في بيانه لسنة 2000 فيما يوحي بالتحذير. قال: «تطوعت مجموعات من المثقفين والمتعلمين الأمازيغ [ابتداء من أواسط الستينيات] لإحداث "جمعيات ثقافية" جعلتها تمتص بأنشطتها امتعاض الأمازيغ وتحتوي تذمرهم المتزايد، رفقا منها بالوطن، حتى لا يعود المغرب إلى أوضاع "ما قبل الحماية"، المطبوعة بالصراعات اللامتناهية والحروب الدائرة رحاها باستمرار، وإلى التخلف الحضاري المترتب على تلك الأوضاع». صنفٌ ما يزال جزءٌ من خطابه رجع صدًى لعهود القبَليِّة و"السِّيبة"، والنَفْرَةٍ من صَرْح الدولة و مُتَطلباتها...
لقد نجح خطاب الحركة الأمازيغية في خلطته العجيبة ما بين الماركسية والعرقية في تفريخ أجيال من الحاقدين.
ففي شهادة حسن أوريد عن تجربته الشخصية في كتابه "رواء مكة"، تحدث عن الشيطان الذي سكنه منذ صغره بفعل تأثير نشطاء الحركة الأمازيغية الذين كانوا "يشحذون في نفوس أمثاله صفة التمرد". ذلك الشيطان اللّعين الذي لا يحب أن يراه إلا غاضبًا، فيقول له: «أنت أحسنُ حالا غاضبًا منك هادئًا، وأنا أفضلك على هذه الشاكلة، على كل حال. غضبُك دليل وعيك».
هذا النزوع نحو الغضب والتمرد الموروث عن اليسار (و بما يذكرنا بسيرة حركتي الدوارين والخوارج)، هو ما يفسر تلك اللهجة الشديدة لبيانات عدد من الجمعيات التي تشكل "الحركة الأمازيغية". فهي لا تتردد في استعداء ومخاصمة الجميع: فقد استعدوا الفتح الإسلامي، واستعدوا تاريخ المغرب الوسيط، واستعدوا الحركة الوطنية، واستعدوا الأحزاب، واستعدوا بعض المدن (على رأسها فاس ثم سلا)، واستعدوا بعض العناصر المكونة لسكان المغرب (على رأسها من يفترض أنهم عرب أو أندلسيون)، واستعدوا الفقهاء، واستعدوا المندوبية السامية للتخطيط ومؤسسات رسمية أخرى..، واستعدوا المشرق العربي، واستعدوا قضايا الأمة الإسلامية...
هذا الخطاب الذي يستعدي الجميع بلهجة حادة، لا يتردد كذلك في أحايين كثيرة في التهديد بالخروج إلى الشارع لفرض إرادته باسم وصاية يفرضها قسرا على "الشعب الأمازيغي"، بغض النظر عن مدى تمثيليته له: فمن مسيرات فاتح ماي ابتداء من سنة 1994، إلى مسيرة "تاوادا" سنة 2000، ثم احتجاجات محلية هنا وهناك..، ثم يزيد الزخم مع التطورات التي شهدتها المنطقة منذ سنة 2011. ويعبر لحسن بازغ عن ذلك بحماس بالقول: «هذا الطوفان من الوقفات الاحتجاجية للحركات الأمازيغية، مؤشر على أن سياسة الدولة فشلت في احتواء الغضب الأمازيغي الذي ينذر ببداية سنة ساخنة لا نتكهن بما ستؤول إليه نتائجها».
هذا الخطاب كذلك لا يخلو من غوغائيةٍ تكشف خواء أصحابه من المعرفة الكافية بثقافة "البربر" أنفسهم. وهذا ما يفسر الأخطاء الفادحة التي تنضح بها أدبياتهم المتداولة. ويكفي هنا أن نورد مثالين عن هذه الغوغائية بخصوص أسطورة "السنة الأمازيغية":
ـ الأول: نجده في جريدة "العالم الأمازيغي" التي تديرها وترأسها أمينة بن الشيخ التي عينها رئيس الحكومة في ديوانه "لمواكبة وتتبع ملف الأمازيغية" في حكومته. وفي عضويتها كذلك رشيد رخا، رئيس "التجمع العالمي الأمازيغي". في هذه الجريدة جاءنا أحد الناشطين سنة 2023 بسابقة عجائبية لا أصل لها بتاتا في المراجع العلمية المعتمدة، وتجاوز بها ما تصوره عمار نقادي نفسه، فادعى من عِنْدِيَتِه أن التقويم الأمازيغي بدأ على يد الملك شيشنق نفسه [هكذا!]، فقال: «من الناحية الثقافية أعلن الملك شيشونغ الولاء للإرث الأمازيغي [هكذا!] فبدأ معه التقويم الرسمي للأمازيغ سنة 950 ق.م. وبهذا أحيى شيشونغ تنصيب نفسه ملكا على عرش مصر في أرض النيل بإحياء الليلة على شرف زعماء القبائل الأمازيغية [هكذا!] في ذلك الزمان وقَدّم أُكلة "تاكلا" [هكذا!] علامةً على استمرار الحضارة الأمازيغية. ومنذ ذلك التاريخ [هكذا!] يتم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية تزامنا مع خصوبة الأرض والطبيعة في شهر يناير الفلاحي»!!...
ـ الثاني: جاء به ناشط آخر في مقالة نشرت له في هسبريس في نهاية سنة 2025، فادعى أن عمار نقادي الذي اخترع لرفاقه تقويما قوميا "عالمُ اجتماعٍ"!!.. هكذا بقدرة قادر، أصبح الناشط عمار نقادي "عالمَ اجتماع"!!..
أما في عالم شبكة العنكبوت الرقمية..، فالغوغائية في أزهى عصورها على الإطلاق!!.. ويزداد معها اختلاق الأساطير والخرافات..، وتُرَوَّجُ على نطاق واسع يتلقفها بثقة كل من يسهل استغفاله. و من أحد الأمثلة الصارخة لهذا الاستغفال: أحد شيوخ البربر الطيبين في جنوبنا الشرقي ممن يتقنون فن "أحيدوس"، استغفله بعض الشباب من النشطاء في بداية سنة 2026، فأقنعوه أن يغني أمام جمهوره من البسطاء أهزوجة بمناسبة الاسم المختلق للسنة الفلاحية، يسرد فيها أسطورة الانتصار العظيم للملك شيشنق، "ملك إيمازيغن"، على الظالم المعتدي رمسيس الثالث!!..
لقد كان الباحث الحسين بويعقوبي في كتابه عن "ءينّاير"، في غاية الأدب والتلطف عندما كان يصف ما ينتجه رفاقه في الحركة من أمثال هؤلاء النشطاء بالكتابات "النضالية". وإنه شتّان بين "الكتابات النضالية" التي يخطها "ناشطون" أو "مناضلون" متحررون من أية قواعد ومصداقية..، وبين ما يخطه الأكاديميون المنضبطون لأدبيات البحث العلمي.
كما أن هؤلاء في إطار هاجس التحريض والتهييج ورفع منسوب الغضب والتمرد لدى نشطائهم والمتعاطفين، معهم لا يترددون في اختلاق أكاذيب أو تحريف وقائع بما يتناسب مع هدف التحريض. ويكفي هنا أن نذكر تداولهم لمقولات تضرب في البربر، ينسبونها زورا وبهتانا دون دليل لهذا الزعيم الوطني أو ذاك في حالات. وفي حالات أخرى، يعمدون إلى اقتطاع كلام هؤلاء عن سياقه بما يُخِل بالمعنى ويحقق غرضهم التحريضي (كمن يقتطع قول الله تعالى "ويل للمصلين" عن سياقه الذي لا يكتمل المعنى إلا به). ويظهر هنا الزعيم الوطني علال الفاسي أشد المُسْتَهدَفين بحملة التشويه المغرضة تلك!!.. لهذا لا نستغرب عندما يتجرأ أحدهم على طلب إزاحة اسمه من معالم مدينة أكادير وتعويضها باسم يهودي !!..
و لقد قال حسن أوريد، وهو يكتشف الكنوز المغبونةَ الحقِّ التي خلفها الزعيم الوطني علال الفاسي، أن هذا الأخير "حتى في المغرب المستقل، عانى الأمَرَّين ممن كانوا سدنة الاستعمار، ومنهم من هدده بالقتل، ولم يَسْلم في مسرى حياته من الافتراء والأراجيف".
(4) ـ شهادات من داخل الحركة:
سبق للباحث القبائلي شاكر سالم أن كتب سنة 1987، بأن أفكار النزعة البربرية تطورت إلى مستوى الانفصال عن النموذج العربي الإسلامي، والتهيئة لوضع مشروع مجتمعي مناقض تماما للانتماء العربي الإسلامي في مختلف المجالات.
في شهادة لأحمد عصيد سنة 1999، في سياق تدخله عقب محاضرة لعبد الكريم غلاب بشأن الفرنكفونية، قال: «إن الذي يختار الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية داخل المغرب إنما يفعل ذلك ضِدًّا على برنامج التعريب الذي يروم تحقيق السيادة المطلقة للعربية، وهو بذلك يفصل الأمازيغية عن المجال الثقافي العربي الإسلامي، ويدرجها في مجال ثقافي أجنبي».
و تزيدنا وثائق ويكيليكس المُسَرّبة عن المؤسسات الأمريكية في الكشف أكثر عن سريرة القوم: فقد عقد عدد من الفعاليات من النخبة السياسية والاقتصادية ممن تنشط في إطار الحركة الأمازيغية لقاءات مع السفارة الأمريكية بالمغرب، من بينهم أحد زعماء "الكونغرس العالمي الأمازيغي". وفي خلاصة للسفارة، مؤرخة في 18 دجنبر 2007 بشأن تلك اللقاءات، تم توثيق بعض ما صرّح به هؤلاء الذين يرون أنفسهم "المتحدث الرسمي باسم الأمازيغ". وهي كما يلي:
ــ فأحدهم، وهو عميدٌ بإحدى كليات المملكة، يقول كعدد من زملائه بأن غايتهم هي: إنشاء «جمهورية بربرية متحررة من التأثير العربي»؛ ثم يؤكد ويُلِح على «الحاجة لفصل شمال إفريقيا عن العرب الذين يُعادون الحضارة»؛
ــ ويصرح آخر، وهو أستاذ في الرياضيات: «نحن جغرافيًا وفلسفيًا أقرب إلى واشنطن من الرياض وطهران، طبيعيا نحن حلفاء»، ثم يقول بأنه «على الرغم من أن معظم الأمازيغ بالمغرب مسلمون، إلا أن إسلامهم لا ينبع من إيمان عميق»؛
ــ ويقول آخر، وهو دكتور في جراحة الأعصاب بأن «المغاربة مسلمون بالقانون، وليس بالاختيار، ولو كانت للأمازيغ حرية الاختيار لكان من المحتمل ألا يبقوا مسلمين»؛
ــ ويقول آخر، وهو سياسي عضو سابق في حزب تقدمي عريق وكاتب في جريدة أمازيغية: «الأمازيغية أولا، أما الدّين فأمر ثانوي».
و في شهادة حسن أوريد سنة 2019، ذكر سعي خالَيْه "الأمازيغيين" لإعداده للانخراط في هذه الحركة من خلال الفكر الماركسي اللينيني، وشَحْذ نفسية التمرد فيه، ويفسر ذلك بالقول: «كانا يريدان أن أثأر للأمازيغ، وكانا يريدان أن يفصلاني عن أثر العنصر العربي عليّ وعلى ثقافتي». وفي حديثه عن الحركة الأمازيغية، وقد احتك بالعديد من نشطائها داخل المغرب وخارجه، ذكر في رؤيتهم بخصوص اللغة العربية أن «الدِّفاع عن اللغة الأمازيغية لم يكن إلا ذريعة لفك الارتباط بالدّين، أو أي تفكير ديني، وأي توظيف له».
فنختصر مقالتنا بالقول: الذي يبدو هو أن"ذريعة الأمازيغية"، قد أصبحت هي "المعقل المتفق عليه للانطلاق في نشر الفتنة بين المغاربة واستئصال دعوة الإسلام ببلاد المغرب". وأن الباطل الذي يسعى إليه من يركبون على شعار "إنصاف الأمازيغية"، إنما هو: قطع صلة المغاربة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم..، أمة الإسلام... فلا عجب إذن أن يتهافت عدد من المنتسبين إلى الحركة الأمازيغية على استجداء عطْف العدو الصهيوني. ثم لا عجب من هذا الأخير عندما يضعهم في بؤرة اهتمامه بما يخدم مشاريعه التخريبية في المنطقة... ﴿لَمَن ضَرُّه أقْرَبُ من نَفْعه، لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.
فاللهم رُدَّ بنا جميعا ردًّا جميلا..، واحفظ بلدنا الآمن هذا من كل سوء... آمين.
-
21:15
-
21:11
-
20:43
-
20:19
-
19:53
-
19:27
-
18:54
-
18:33
-
18:29
-
18:27
-
17:53
-
17:41
-
17:26
-
16:53
-
16:41
-
16:36
-
16:27
-
16:15
-
16:02
-
15:33
-
15:11
-
14:42
-
14:29
-
14:19
-
13:47
-
13:27
-
13:02
-
12:33
-
12:03
-
11:33
-
11:12
-
10:53
-
10:43
-
10:11
-
09:41
-
09:10
-
08:40
-
08:28
-
08:15
-
07:55
-
07:31
-
07:19
-
07:00
-
06:51
-
06:23
-
06:00
-
03:01
-
02:00
-
01:00
-
00:00
-
22:32
-
22:17
-
21:47
-
21:45
-
21:31