قبل أن نسأل أين كانت الدولة؟ علينا أن نسأل: أين كانت الأسرة؟
بقلم: نجلاء مزيان
في كل مرة تقع فيها مأساة، نبحث عن المسؤول خارج البيت. أين كانت الدولة؟ أين كانت السلطات؟ أين كان الأمن؟ أين كانت مؤسسات حماية الطفولة؟
أسئلة مشروعة، خصوصاً اليوم، ونحن نرى أطفالاً ومراهقين، فتيات وفتياناً، وجدوا أنفسهم في الشوارع والغابات، بعدما خرجوا من بيوت يفترض أن تكون أكثر الأماكن أماناً لهم، بحثاً عن حلم قيل لهم إنه يوجد في الضفة الأخرى.
لكن قبل أن نسأل: أين كانت الدولة؟ علينا أن نسأل أيضاً: أين كانت الأسرة؟
لا أحد يملك الحق في تحميل هؤلاء الأطفال مسؤولية ما تعرضوا له. من اغتصب أو استغل أو عنّف طفلاً هو المجرم، ولا يمكن لأي ظرف أن يبرر جريمته. لكن حماية الطفل من الوصول إلى هذه النقطة مسؤولية تبدأ قبل الحدود،وقبل أن يتحول الحلم إلى مأساة.
هؤلاء الأطفال لم يخرجوا من بيوتهم بحثاً عن الجوع، ولا عن النوم في العراء، ولا عن الخوف، ولا عن الاعتداء. خرجوا خلف صورة أخرى تماماً: مستقبل أفضل، حياة أسهل، ووعود بالوصول إلى مكان سيجدون فيه كل ما ينقصهم.
لكن الوهم انتهى أحياناً بفراش في الشارع، وبليالٍ في الغابات، وبالجوع والخوف والاستغلال، ووصل الأمر إلى الاعتداءات الجنسية والاغتصاب.
وهنا لا بد أن نسأل: من كان يسمع هؤلاء الأطفال قبل أن يغادروا؟ ومن كان يعرف ما يدور في رؤوسهم؟ ومن كان قادراً على أن يقول لهم إن ما يرونه على مواقع التواصل أو يسمعونه من الآخرين ليس بالضرورة الحقيقة؟
الأسرة ليست فقط من يوفر الطعام والدراسة والملبس. الأسرة هي أول خط لحماية الطفل. أن تعرف متى تغير ابنك، ومتى بدأ يحلم بالرحيل، ومن يؤثر فيه، ولماذا أصبح يرى مستقبله بعيداً عن بيته.
والأمر الأكثر إثارة للتساؤل اليوم هو أننا نسمع أصواتاً كثيرة تتحدث عن الاعتداءات التي تعرض لها هؤلاء الأطفال، وهذا طبيعي وضروري، لكن أين أصوات الآباء والأمهات وهم يطالبون أبناءهم بالعودة؟
لماذا كنا نسمع سابقاً تصريحات تبرر الهجرة وتقدمها كطريق إلى المستقبل، بينما عندما ظهر الوجه الآخر لهذا الطريق، لم نسمع بالوضوح نفسه: عودوا حياتكم أهم من هذا الحلم؟
إذا كان الطفل قد صدق وهماً، فدور الأسرة ليس أن تواصل تبريره، بل أن تفتح له باب العودة. وإذا أخطأ، فليكن البيت مكاناً يعود إليه، لا مكاناً يخاف منه.
نعم، الدولة مسؤولة عن حماية هؤلاء الأطفال، ومحاسبة المعتدين، ومواجهة شبكات الاستغلال. لكن الدولة لا تستطيع أن تكون داخل كل بيت، ولا داخل رأس كل طفل.
لذلك، قبل أن نسأل أين كانت الدولة فلنسأل أولاً: أين كنا نحن عندما بدأ الحلم؟وأين كنا عندما تحول الحلم إلى قرار؟
وأين نحن اليوم، بعدما تحول ذلك الوعد بحياة أفضل إلى شارع وجوع وخوف واعتداء؟
حماية الأطفال لا تبدأ عند الحدود،بل تبدأ من البيت،وربما آن الأوان لأن نقول لأبنائنا بوضوح: العودة ليست فشلاً، والاعتراف بأن الحلم كان وهماً ليس عيباً، والنجاة ليست دائماً في الوصول إلى الضفة الأخرى،أحياناً، النجاة هي أن تجد طريق العودة إلى بيتك.
-
20:00
-
19:33
-
19:11
-
18:47
-
18:26
-
18:02
-
18:00
-
17:39
-
17:23
-
17:00
-
16:40
-
16:23
-
16:11
-
16:00
-
15:37
-
15:22
-
15:00
-
14:33
-
14:11
-
13:47
-
13:25
-
13:00
-
12:33
-
12:11
-
11:47
-
11:27
-
11:26
-
11:15
-
11:11
-
11:00
-
10:33
-
10:11
-
09:47
-
09:25
-
09:00
-
08:13
-
07:46
-
07:36