الكتاب المستعمل.. ذاكرة ثقافية تقاوم النسيان في الدار البيضاء
لم يعد الكتاب المستعمل مجرد وسيلة للعثور على عناوين قديمة بأسعار مناسبة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من المشهد الثقافي الذي يعيد وصل القارئ بالكتب التي غابت عن رفوف المكتبات. وفي الدار البيضاء، يتجدد هذا الموعد من خلال المعرض الوطني للكتاب المستعمل، الذي اختار أن يجعل من فترة الصيف مناسبة للاحتفاء بالقراءة والكتاب والنقاش الثقافي.
وخلال الفترة الممتدة من 20 يوليوز إلى 10 غشت، احتضنت حديقة الأرجوان فعاليات الدورة الرابعة عشرة من المعرض، وسط حضور عدد من الكتاب والباحثين والنقاد والأدباء، الذين ساهموا في تنشيط برنامج ثقافي متنوع جعل من المعرض أكثر من مجرد فضاء لبيع الكتب.
وتكشف هذه التظاهرة، في جانب منها، عن استمرار الحاجة إلى الكتاب الورقي، رغم التحولات الكبيرة التي فرضتها الوسائط الرقمية على علاقة المغاربة بالقراءة. فعدد من المهنيين في سوق الكتاب يرون أن الحديث عن تراجع القراءة لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة، مؤكدين أن هناك قراء لا يزالون يبحثون عن الكتب ويقتنونها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بعناوين قديمة أو إصدارات لم تعد متوفرة في المكتبات التجارية.
وهنا تبرز خصوصية الكتاب المستعمل، الذي يمنح القارئ فرصة للوصول إلى مؤلفات قد يصعب العثور عليها في السوق الجديدة. فرفوف المعرض لا تقدم فقط كتبًا معروضة للبيع، وإنما تفتح أيضًا نافذة على عناوين وطبعات وكتابات تنتمي إلى مراحل مختلفة من تاريخ النشر والثقافة المغربية والعربية.
كما أن المعرض أصبح موعدًا ينتظره عدد من المهتمين بالشأن الثقافي، بالنظر إلى ما يتيحه من لقاء مباشر بين القارئ والكتاب، وبين جمهور الثقافة وأسماء تنتمي إلى مجالات الأدب والنقد والبحث. وبذلك، يتحول فضاء البيع إلى مجال للحوار وتبادل الأفكار، وتصبح الأنشطة الموازية عنصرًا أساسيًا في صناعة أجواء ثقافية تتجاوز الوظيفة التجارية للمعرض.
ولا تنفصل هذه الدينامية عن الجانب الاقتصادي للتظاهرة، إذ تمنح معارض الكتاب المستعمل للكتبيين فرصة لإعادة تحريك مخزون من الإصدارات التي ظلت لفترات طويلة بعيدة عن التداول، كما تخلق حركة تجارية مرتبطة بالثقافة خلال فصل الصيف.
وفي مدينة مثل الدار البيضاء، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالحركة الصحافية والأدبية والفكرية، تبدو استعادة الكتاب لفضائه داخل المدينة ذات دلالة خاصة. فالعاصمة الاقتصادية لم تكن يومًا مجرد مركز تجاري، بل كانت أيضًا مجالًا لنشوء مبادرات ثقافية وصحافية وفكرية تركت بصمتها في الذاكرة المغربية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المعرض الوطني للكتاب المستعمل باعتباره مناسبة لإعادة طرح سؤال العلاقة بين المغاربة والكتاب، بعيدًا عن الأرقام وحدها. فاستمرار الإقبال على الكتب، والبحث عن الإصدارات القديمة، وحضور الكتاب والباحثين في مثل هذه المواعيد، كلها مؤشرات على أن الحاجة إلى القراءة لم تختف، وإنما تغيرت أشكال الوصول إليها وممارستها.
وبين الكتب التي تعود إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب، والنقاشات التي تجمع أجيالًا مختلفة من المهتمين بالثقافة، يواصل المعرض الوطني للكتاب المستعمل ترسيخ موقعه كموعد صيفي للقراءة واللقاء، مؤكدًا أن الكتاب قادر على صناعة فضائه الخاص حتى في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه عادات الجمهور.
-
14:22
-
14:00
-
13:50
-
13:40
-
13:33
-
13:12
-
12:47
-
12:27
-
12:03
-
11:50
-
11:40
-
11:14
-
10:47
-
10:27
-
09:59
-
09:32
-
09:04
-
08:49
-
08:23
-
07:50
-
07:43
-
23:13
-
21:48
-
21:18
-
20:57
-
19:22
-
18:38
-
18:27
-
18:00
-
17:33
-
17:11
-
16:51
-
16:12
-
15:55
-
15:45
-
15:27
-
15:00
-
14:42