عْشَّاقْ مْلّال… مفارقة الإنسان بين الشغف والملل
من بين التعابير الشعبية المغربية التي تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تختزن مفارقة إنسانية عميقة، نجد عبارة "عْشَّاقْ مْلّال".
كلمتان قصيرتان، لكنهما تكشفان عن فهم دقيق لطبيعة الإنسان وتقلباته بين الشغف والملل.
فـ "عْشَّاق" في الاستعمال المغربي لا تعني فقط العاشق بالمعنى الرومانسي، بل تشير إلى الشخص الذي يحب الأشياء ويقدّر متع الحياة: الطعام الجيد، الجلسات الجميلة، السفر، أو لحظة الفرح العابرة. إنه شخص يتذوق الحياة ويعيش تفاصيلها.
أما "مْلّال" فهي صفة مشتقة من كلمة الملل، وتُطلق على الشخص الذي يسأم بسرعة، حتى من الأشياء التي أحبها في البداية.
وهنا تكمن المفارقة التي التقطتها الحكمة الشعبية:
إنسان يعشق الأشياء… لكنه لا يلبث أن يملّ منها.
قراءة في أصل التعبير
هذا التعبير يُستعمل عادة لوصف شخصيات تميل إلى الحماس السريع ثم الفتور السريع.
قد يقال عن شخص يندفع في مشروع جديد، أو هواية جديدة، أو فكرة جديدة، لكنه لا يستمر فيها طويلًا.
في هذه الحالة يعلق المغاربة بعبارة بسيطة لكنها دقيقة:
"راه عْشَّاقْ مْلّال".
أي أنه يحب التجربة، لكنه لا يثبت فيها طويلًا.
البعد النفسي للمثل
يعكس هذا التعبير ظاهرة نفسية معروفة:
بعض الأشخاص ينجذبون بقوة إلى الجديد، لكنهم يفقدون الاهتمام عندما يتحول الشيء إلى عادة.
إنها شخصية تعيش على إثارة البداية أكثر مما تعيش على استقرار الاستمرار.
ولهذا ينتقل صاحبها من تجربة إلى أخرى بحثًا دائمًا عن شعور الاكتشاف الأول.
حكمة شعبية دقيقة
اللافت في هذا التعبير أن الثقافة الشعبية المغربية لم تحكم على هذه الشخصية حكمًا قاسيًا، بل اكتفت بوصفها بدقة.
فـ "العْشَّاق" يحمل جانبًا إيجابيًا: حب الحياة وتقدير اللحظات الجميلة.
أما "المْلّال" فيعكس جانبًا إنسانيًا مألوفًا: الملل من التكرار والبحث الدائم عن الجديد.
ومن جمع الصفتين معًا تتشكل شخصية مألوفة في المجتمع:
شخص يعيش اللحظة… لكنه لا يقيم طويلًا فيها.
ومن اللافت أيضًا أن هذا التعبير يُستعمل كثيرًا في الحديث عن الرجال في علاقتهم بالنساء. ففي الخطاب الشعبي قد يُقال عن رجل يكثر من الإعجاب أو العلاقات العاطفية، لكنه لا يلبث أن يفقد الاهتمام سريعًا: "عْشَّاقْ مْلّال".
وفي هذا السياق يحمل التعبير دلالة ساخرة خفيفة، تشير إلى رجل يحب النساء ويعجب بهن بسهولة، لكنه لا يثبت طويلًا على علاقة واحدة. وهو توصيف يعكس نظرة اجتماعية شائعة ترى في بعض الرجال شغفًا سريع الاشتعال… وسريع الانطفاء أيضًا.
العبرة
العبرة التي تحملها هذه العبارة ليست إدانة، بل توصيف لطبيعة إنسانية مألوفة.
فليس كل شغف دليل عمق،
وليس كل إعجاب دليل استمرار.
أحيانًا يكون الشغف مجرد لحظة حماس قصيرة،
بينما يحتاج الاستمرار إلى شيء آخر: الصبر، والالتزام، والقدرة على تجاوز الملل.
ولهذا بقي المغاربة يرددون هذا التعبير، لأنه يلخص حالة نراها كثيرًا حولنا:
إنسان يعشق الأشياء… لكنه سريع الملل منها.
-
15:08
-
14:36
-
13:30
-
13:06
-
12:36
-
12:26
-
12:03
-
11:49
-
11:27
-
10:13
-
10:08
-
09:51
-
09:40
-
09:27
-
09:00
-
07:56
-
07:03
-
06:27
-
03:00
-
02:00
-
01:00
-
00:00
-
23:00
-
22:33
-
22:11
-
22:00
-
21:41
-
21:27
-
21:15
-
21:00
-
20:56
-
20:39
-
20:23
-
20:07
-
20:00
-
19:40
-
19:05
-
18:53
-
18:37
-
18:26
-
18:02
-
17:40
-
17:26
-
16:05
-
15:27