إدريس الروخ لـ"ولو":الكتابة هي الطريقة التي أتنفس بها
بعيدًا عن الكاميرا وخشبة المسرح، يفتح لنا الفنان والمخرج والكاتب المغربي إدريس الروخ نافذة على عالمه الداخلي، حيث لا يعود الفن مجرد مهنة، بل وسيلة لفهم الإنسان.
في هذا الحوار، يتحدث الروخ عن علاقته العميقة بالكتابة، وعن الشخصيات التي تسكنه، والواقع الذي يعيد تشكيله بالخيال، كما يكشف عن نظرته للأدب والمسرح والرواية.
- تصف الكتابة بأنها ليست مجرد ممارسة، بل أسلوب حياة… كيف بدأت هذه العلاقة؟
لا أعتقد أنني اخترت الكتابة بإرادة كاملة، كما أنها لم تخترني صدفة. كانت أشبه بنداء داخلي رافقني منذ الطفولة، وتحول مع السنوات إلى طريقة أرى بها العالم. بالنسبة لي، الكتابة ليست مهنة ولا هواية، بل هي العدسة التي أنظر من خلالها إلى الإنسان والحياة.
قد أخرج فيلمًا أو أمثل فوق المسرح أو أمام الكاميرا، لكن قبل كل ذلك وبعده أبقى كاتبًا. فالمخرج داخلي يبحث عن الصورة، والممثل يبحث عن الإحساس، أما الكاتب فيبحث عن الإنسان، ولذلك لا أستطيع أن أفصل بين هذه العوالم، لأنها جميعًا تنبع من المصدر نفسه.
- من أين تستمد أفكارك؟ وكيف تولد الشخصيات والحكايات؟
لا أؤمن بأن الأفكار تسقط علينا فجأة، بل هي موجودة حولنا باستمرار، لكن الكاتب وحده من يحاالاصغاء إليها.
قد تبدأ رواية من رجل رأيته لدقيقة في محطة قطار، أو تولد مسرحية من صمت امرأة كانت تحدق في نافذة، أو تخرج شخصية كاملة من طفل يركض في زقاق قديم.
الناس يعتقدون أن الكاتب يراقب الآخرين، بينما الحقيقة أنه يصغي إليهم. أنا لا أجمع الأحداث، بل أجمع الأسئلة، وكل شخص ألتقيه يترك داخلي سؤالًا جديدًا، ومن مجموع هذه الأسئلة تولد الشخصيات.
- هل تكتب الواقع أم الخيال؟
أرفض الفصل بينهما. فالخيال الحقيقي يولد من رحم الواقع، والواقع لا يتحول إلى أدب إلا عندما يمر عبر الخيال.
أنا لا أنقل الحياة كما هي، لأن الأدب ليس صورة فوتوغرافية. الكاتب يعيد خلق الواقع ولا يكتفي بنسخه. قد تكون الشخصية حقيقية، لكن روحها تصبح متخيلة، وقد يكون المكان متخيلًا لكنه يحمل رائحة مدينة أعرفها جيدًا.
الحقيقة في الأدب ليست ما وقع، بل ما يمكن أن يقع داخل الإنسان.
- ماذا تمنحك الكتابة؟
الكتابة هي البحر الذي أهرب إليه من ضجيج العالم. عندما أكون وحيدًا لا أشعر بالوحدة، لأنني أكون محاطًا بشخصياتي.
أتحاور معها، أختلف معها، أحب بعضها، وأتشاجر مع بعضها الآخر. أحيانًا أستيقظ منتصف الليل لأن إحدى الشخصيات رفضت النهاية التي كتبتها لها، وأحيانًا أغير مسار رواية كاملة لأن بطلها أقنعني بأنه لا يستطيع أن يعيش تلك النهاية.
لهذا أؤمن أن الكاتب لا يصنع الشخصيات وحده، بل الشخصيات أيضًا تعيد تشكيل الكاتب.
- شخصياتك غالبًا ما تنتمي إلى الناس البسطاء… لماذا؟
لأنني لا أبحث عن الأبطال الاستثنائيين، بل عن الإنسان العادي. العامل الذي يعود مرهقًا في نهاية يومه، والأم التي تخفي دموعها عن أبنائها، والمهاجر الذي يحمل وطنه في حقيبة صغيرة، والفنان الذي يصفق له الجميع ثم يعود إلى بيته وحيدًا.
الحياة الحقيقية توجد في التفاصيل الصغيرة، وأعتقد أن الأدب يبدأ من تلك التفاصيل.
- كتبت للمسرح والرواية والدراسة النقدية… كيف تنظر إلى هذا التنوع؟
أنا لا أختار الشكل الأدبي، بل الفكرة هي التي تختار بيتها،هناك أفكار لا يمكنها إلا أن تعيش فوق خشبة المسرح، وأخرى تحتاج إلى فضاء الرواية، بينما بعض الأسئلة لا تجد جوابها إلا في البحث والدراسة.
لذلك لم أشعر يومًا أنني أتنقل بين أجناس أدبية مختلفة، بل كنت أواصل الرحلة نفسها بوسائل متعددة.
- حدثنا عن أبرز إصداراتك.
عندما أنظر إلى كتبي، لا أرى أعمالًا متفرقة، بل أرى مراحل من حياتي. كل كتاب يشبه مدينة عشت فيها، وكل مسرحية تشبه عمرًا كاملًا.
أعتز كثيرًا بمسرحية “يامات البلاد” التي تُرجمت إلى اللغة الكاتالانية بإسبانيا، لأنها أكدت لي أن المسرح الحقيقي قادر على عبور اللغات والثقافات.
كما أعتز بـ“الرقصة الأخيرة” التي تأملت فيها الزمن وهشاشة الإنسان، وبمشاركتي في الكتاب الجماعي “خشبة النص” إلى جانب المسرحيين محمود أبو دومة وجواد الأسدي، وهي تجربة عززت قناعتي بأن المسرح العربي يلتقي دائمًا عند أسئلة الإنسان الكبرى.
ومن بين مؤلفاتي أيضًا “المسرح بين الأنا والآخر” الذي تناولت فيه المسرح باعتباره فضاءً للحوار، و“دمى من ورق” الذي يلامس هشاشة الإنسان المعاصر، إلى جانب روايتي “رداء النسيان” التي تبحث في الذاكرة، و“الحفرة”التي تغوص في أعماق النفس البشرية.
كما نشرت عشرات المقالات والدراسات حول المسرح والسينما والثقافة، لأنني أؤمن أن الكاتب لا يكتفي بكتابة النصوص، بل يشارك أيضًا في صناعة الأسئلة التي يحتاجها المجتمع.
- ما الخيط الذي يجمع كل هذه الأعمال؟
الخيط الوحيد هو الإنسان.
أنا لا أكتب عن السياسة وحدها، ولا عن الحب أو الموت فقط، بل أكتب عن الإنسان وهو يحاول أن يجد معنى لوجوده.
كل أعمالي تنتهي عند السؤال نفسه: كيف يستطيع الفن أن يجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم نفسه؟
- هل تفكر في التفرغ الكامل للكتابة؟
ربما يحدث ذلك يومًا.أشعر أحيانًا أن الكتابة تطالبني بوقت أكبر، الإخراج جميل، والتمثيل يمنحني حياة أخرى، لكن الكتابة تمنحني الحياة كلها.
إذا تفرغت لها، فلن يكون ذلك هروبًا من الناس، بل اقترابًا منهم، لأنها تحتاج إلى الصمت أكثر مما تحتاج إلى الضجيج، وإلى الإصغاء أكثر مما تحتاج إلى الكلام.
- في النهاية… ماذا تعني لك الكتابة؟
الكتابة ليست بحثًا عن الشهرة أو الجوائز أو الخلود، بل محاولة لترك أثر جميل في هذا العالم.
إذا استطاع قارئ واحد أن يجد نفسه في إحدى شخصياتي، أو أن يشعر بأن نصًا كتبته منحه شيئًا من الأمل أو الفهم أو العزاء، فأنا أعتبر أن الكتابة أدت رسالتها.
ولهذا، إذا سألني أحد يومًا: من أنت؟ فلن أقول مخرجًا أو ممثلًا أو روائيًا، بل سأقول ببساطة: أنا رجل يحاول أن يفهم الإنسان… والكتابة هي الطريق إلى ذلك.
-
18:33
-
18:11
-
18:00
-
17:46
-
17:27
-
17:15
-
17:12
-
17:00
-
16:50
-
16:33
-
16:11
-
16:00
-
15:44
-
15:33
-
15:27
-
15:00
-
14:33
-
14:11
-
13:50
-
13:42
-
13:27
-
13:00
-
12:33
-
12:11
-
11:50
-
11:44
-
11:25
-
11:00
-
10:33
-
10:11
-
09:45
-
09:26
-
09:00
-
08:44
-
08:26
-
08:23
-
08:01
-
07:19
-
23:51
-
20:44
-
20:26
-
20:00
-
19:33
-
19:11
-
18:44